القاضي عبد الجبار الهمذاني

401

المغني في أبواب التوحيد والعدل

فإن قال : وهذا يوجب أن يحسن من العاقل منا أن يقصر العاقل على أن يؤلمه « 1 » بضرب وغيره بأن يملكه مالا ؛ وقد علمنا أن ذلك لا يحسن . قيل له : إن قدر العوض لا بد من أن ينتهى إلى حد يعلم أن العقلاء على اختلاف أحوالهم وأوصافهم فيما يملكون من العظم والتيسير ، وفيما يثبت فيهم من ضرر ونفع أو ينتفى عنهم ، يختارون تحمل تلك / المضرة لأجله كما يفعله العاقل منا بغيره إن بلغ هذا الحد . وله أن يقصره عليه ويصير بمنزلة من يدبر من لا يكمل عقله . وذلك نحو أن يبذل له على استوائه قاعدا مالا عظيما لأنه متى لم يختر ذلك علم نقصه في التمييز ، فيعود الحال إلى أنه مدبر ، فيحسن عند ذلك أن يفعله به . فحصل من هذه الجملة أن العوض متى بلغ القدر الّذي لا يلتبس كونه عوضا للمضرة ، فالعقلاء لا بد من أن يختاروا المضرة لأجله ، ومتى لم يختر بعض العقلاء ذلك ففقد اختياره له يدل على نقص تمييزه « 2 » ؛ فيحسن من الغير أن يفعل ذلك به لأجل ذلك العوض . فإن قال : إن كان الأمر كما زعمتم فيجب أن لا يحسن من أحدنا أن يفعل بنفسه وبمن يدبر أمره الألم إلا إذا علم في النفع أنه يبلغ هذا القدر ؛ وقد ثبت حسن ذلك على خلاف هذا الوجه ، فكيف يصح ما ذكرتم ؟ قيل له : إن أحدنا فيما يفعله في نفسه يفعله لغلبة ظنه فيحسن منه أن يعمل اجتهاده في قدر النفع الّذي يستحقه أو يستجلبه بالمضرة ؛ ومن يدبر أمره يجرى مجرى نفسه لأنه لا رأى له ، والحكم فيما يفعله [ موكول ] إلى اجتهاده لهذا الوجه ؛ فحسن منه ذلك ، وإن لم يبلغ العوض القدر الّذي ذكرناه . وليس كذلك حال ما نفعله بالعاقل لأنه لا بد أن يبلغ

--> ( 1 ) يظهر أنه يقصد يختصه بالألم وحده ! ( 2 ) في الأصل غيره .